السيد عبد القادر ملا حويش آل غازي العاني
146
تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني )
يَكُونُ لِي غُلامٌ » كيف يتصور ذلك « وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا » 20 لأن الولد لا يكون إلا بنكاح أو سفاح ، وكلاهما لم يكن ، وهذا استفهام تعجب . وهناك أي استفهام زكريا المار في الآية 8 استفهام استطلاع عن الكيفية والتذاذ بسماع الجواب السّار « قالَ كَذلِكِ » إن الأمر كما ذكرت لك ، ولا أعلم غير ما أمرت به . ولكن « قالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ » وإن كان مستحيلا عادة إتيان الولد من غير مس ، لأن اللّه تعالى يأتي بالمستحيل من غير حاجة إلى الأسباب ألا تعلمين أنه خلق آدم من لا شيء وخلق حواء منه ، فالذي يخلق من غير أم وأب ومن غير أم ألا يقدر أن يخلق من غير أب وهو الفعال لما يريد ؟ بلى يسهل عليه ذلك ، ثم قال لها وإن ربك قال « وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ » كما جعلنا آدم وحواء قبله آيتين للخلق في زمنهما من الملائكة والجنّ ، كذلك نجعل الولد الذي سيكون منك آية لهم دالة على قدرة ربك البالغة « وَرَحْمَةً مِنَّا » لمن يؤمن به ويتبعه « وَكانَ » ابنك هذا مكتوبا في أزل ربك بأنه يكون من هذه النفخة بأمره « أَمْراً مَقْضِيًّا » 21 محكما مبرما لا يبدل ولا يرد . فلما سمعت هذا وعرفته أنه من اللّه سكتت ، فتقدم جبريل عليه السلام وأخذ درعها من الأرض ورفعه فنفخ فيه وأعطاه إياها ، فلبسته بعد أن اطمأنت إليه « فَحَمَلَتْهُ » أحست بحمله حالا ، ولما بدأ حملها خافت أن يعرف الناس ذلك وهي مشهورة بالعفّة والطهارة ومن بيتهما ، وعرفت أنها إذا قالت من اللّه بواسطة الملك لا يصدقونها ، فصمّمت على الخروج من القرية لترى ما يرى اللّه لها « فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكاناً قَصِيًّا » 22 بعيدا عن قربتها وأهلها لئلا يعيروها ، والباء في ( به ) للمصاحبة والملابسة لأنه في بطنها كقوله تعالى ( تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ ) الآية 22 من سورة المؤمنين في ج 2 ، وعليه قول المتنبي في وصف الخيل : فمرت غير ناظرة عليهم * تدوس الجماجم والرءوسا أي اعتزلتهم « فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ » الجأها أو فاجأها وجع الولادة المسمى طلقا بعرفتا « إِلى جِذْعِ النَّخْلَةِ » الكائن في بيت لحم في فلسطين وهو يبعد